Loading

wait a moment

No data available!

راشد شاتيلا : لبنان بين إرادة الإصلاح وروح الدولة عندما يصبح القانون طريقًا إلى النهضة والوحدة الوطنية

لا تُقاس قوة الأوطان بحجم ثرواتها الطبيعية، ولا بعدد مؤسساتها الرسمية، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة، وصون سيادة القانون، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة ووحدة. وفي لبنان، حيث تتقاطع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يعد السؤال المطروح كيف نخرج من الأزمة الراهنة، بل كيف نبني دولة قادرة على منع تكرار الأزمات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.

لقد أصبح واضحًا أن إدارة الأزمات، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن بناء الدولة. فالإصلاح الحقيقي ليس قرارًا يُتخذ تحت ضغط الظروف، ولا وعدًا يُطلق في موسم سياسي، بل هو مشروع وطني متكامل يقوم على رؤية بعيدة المدى، وإرادة صادقة، ومؤسسات تتمتع بالكفاءة والاستقلالية والشفافية. فالدول التي نجحت في تجاوز أصعب المحن لم تنتظر تبدّل الظروف، بل أعادت بناء نفسها على أسس متينة جعلت القانون فوق المصالح ، والمؤسسات فوق الاعتبارات الضيقة.

ويمتلك لبنان جميع المقومات التي تؤهله لاستعادة دوره الحضاري والاقتصادي والثقافي. فموارده البشرية تُعد من أبرز نقاط قوته، إذ أثبت اللبنانيون في مختلف أنحاء العالم قدرتهم على الإبداع والابتكار والنجاح في ميادين الاقتصاد والطب والهندسة والعلوم وريادة الأعمال. وما ينقص الوطن ليس الكفاءات، بل البيئة المؤسسية التي تستثمر هذه الطاقات وتمنحها الثقة بأن مستقبلها يمكن أن يُبنى داخل لبنان كما بُني خارجه.

إن الدولة الحديثة لا تُعرف بكثرة القوانين التي تُسن، وإنما بقدرتها على تطبيقها بعدالة على الجميع دون استثناء. فاحترام الدستور، واستقلال القضاء، وتعزيز الشفافية، وتطوير الإدارة العامة، وتبسيط الخدمات، ليست إجراءات تقنية فحسب، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه ثقة المواطن بوطنه، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي اقتصاد وأي مشروع تنموي.

وفي المقابل، فإن الديمقراطية لا تزدهر إلا عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى منافسة في تقديم الحلول، لا إلى سبب دائم لتعطيل المؤسسات أو تأخير القرارات المصيرية. فالتعددية التي تميز لبنان يمكن أن تكون مصدرًا للإبداع السياسي إذا استندت إلى الحوار والاحترام المتبادل، وإلى الإيمان بأن المصلحة الوطنية تبقى القاسم المشترك الذي يجمع الجميع مهما اختلفت الرؤى.

ولا يمكن لأي إصلاح سياسي أن يحقق أهدافه من دون إصلاح اقتصادي وإداري متزامن. فالاقتصاد المنتج، وتشجيع الاستثمار، ودعم الابتكار، وربط التعليم بسوق العمل، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، كلها خيارات استراتيجية تفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب اللبناني، وتحد من الهجرة القسرية، وتعيد الثقة بإمكانات الوطن.

ويستحق الشباب اللبناني أن يعيش في دولة تكافئ الكفاءة، وتحترم الاجتهاد، وتمنح الفرص على أساس الجدارة لا أي اعتبار آخر. فالهجرة قد تحقق نجاحًا فرديًا، لكنها لا يمكن أن تكون سياسة وطنية غير معلنة. إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به أي دولة هو الاستثمار في الإنسان، لأنه أساس التنمية، وصانع المستقبل، وحارس الاستقرار.

إن لبنان لا يحتاج إلى معجزة سياسية بقدر ما يحتاج إلى عقد وطني متجدد، يقوم على مبادئ واضحة لا خلاف عليها: سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، واحترام الدستور، والعدالة المتساوية، والولاء للدولة، والوحدة الوطنية التي تجعل التنوع مصدر غنى لا سببًا للانقسام. فهذه المبادئ ليست انتصارًا لفئة على أخرى، بل ضمانة لمستقبل جميع اللبنانيين.

ختامًا، يثبت التاريخ أن الأمم العظيمة لم تُبنَ لأنها تجنبت الأزمات، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتحويلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل. ولبنان، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للنهوض إذا أصبحت العدالة ثقافة، واحترام القانون سلوكًا، والوحدة الوطنية مشروعًا دائمًا، والإصلاح مسؤولية مشتركة لا شعارًا سياسيًا. فعندما تترسخ هذه القيم في مؤسسات الدولة ووعي المجتمع، لن يكون مستقبل لبنان رهينة الأزمات، بل ثمرة دولة عادلة، قوية، ومزدهرة تستحقها الأجيال القادمة.

راشد شاتيلا

مشاركة