Loading

wait a moment

No data available!

“ميشيل سورا”.. اللغة التي أرعبت الديكتاتور!

كتب محمود القيسي

“وأنت تنطلق إلي إيثاكا
فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة
حافلة بالمغامرة٬ حافلة بالإكتشاف
لا تخف من الليستريجونيات والسيكلوبات
وبوسيدون الغاضب
لن تجد شيئا من ذلك في طريقك
طالما إحتفظت بأفكارك سامقة
طالما مست روحك وجسدك الإثارة الرائعة
لن تقابل الليستريجونيات والسيكلوبات
ولا بوسيدون المتوحش
مالم تحملهم داخل روحك
ما لم تضعهم روحك أمامك
فلتأمل أن تكون رحلتك طويلة…”
الشاعر قسطنطين كڤافيس

من الضروري إعادة “قراءة” التاريخ بشكل منهجي قائم على النقد العلمي من أجل إعادة “كتابة” التاريخ بشكل منهجي قائم على النقد العلمي.. حيث ان التاريخ طريق الحقيقة كما يقول هيغل. كان ميشيل سورا اكثر من قرأ تاريخ سوريا على المنهج الخلدوني – الهيغلي العلمي في “ثنائية” تاريخية وضع فيها النقاط “الممنوعة” على حروف الدولة المتوحشة “الممتنعة”.. سورا الذي حفر قبره بيديه على مرأى من “الجميع”، وشارك في تشيعه “الجميع” ودفن أمام “الجميع” ما زال الشاهد والشهيد على “الجميع” في طريقه الطويل إلى الحقيقة رغم خيانة الأزهار . كان سورا هو أول من دق ناقوس الانتباه لتلك الظاهرة الفريدة في بناء الدكتاتورية عبر التاريخ، وعليه فقد كان أول من صدمته تلك الحقائق وكلّفته بالتالي حياته دونما تردد من قبل حلقات الاستبداد المتصلة في ذلك الشرق الحزين، في الحقيقة لم يكن ميشيل سورا بالنسبة إليهم سوى بربري فاضح، يعبث في حدائق كريستال الاستبداد التي عمروها، “ورعاها الغرب”، ولم تكن تلك الكؤوس الكريستال مجهزة إلا لشرب أنخاب معبأة من نهر الدم الجارف من الجرح العربي المفتوح حتى الآن.

.. لقد شرّحت كتابات سورا نظام الحكم الذي حمل جماعة الأسد الى السلطة ومناوشاته مع حزب الاخوان المسلمين منذ البدايات.. صراع التوتاليتارية من ناحية والثيوقراطية من الناحية الاخرى على السلطة في مدلولاتها وابعادها وأهدافها التاريخية على قاعدة ومفهوم وحدة وصراع الأضداد، أو الإخوة الأعداء في مكاناً ما.. والمعنى في وجدان التاريخ أو في بطنه. الكتاب الذي اصبح بامتياز تاريخي وثيقة اعتمد عليها الكثيرين من الباحثين والمهتمين في تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين والمنطقة مثل صاحب كتاب ” الأمة المتشظية ” – برنار روجييه.. وتوماس بييريه صاحب كتاب ” البعث والإسلام في سوريا “.. ورسالة دكتوراة النرويجية تين غاد حول مدينة طرابلس اللبنانية.. وعدداً لا يستهان به من كبار الكتّاب والدارسين والمحللين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين حول العالم الذين استندوا في أبحاثهم وأعمالهم الى مؤلف ميشيل سورا الوثيقة.. الكتاب الوثيقة الذي اصبح المرجع القوي لكل باحث جدي ومهتم بالشرق الأوسط عموماً، وبلاد الشام خصوصاً، وسوريا تحديداً..

من بحوثه النقدية موضوعياً وبكل جراءة في صميم المجتمع والدولة السورية وفق اعتقاده الماركسية – الجدلية – العلمية عندما كان ما زال طالباً في السوربون – الى دراسة ” العصبية ” ومفهومها الجوهري التي شرّحها ابن خلدون في القرن الرابع عشر.. العصبية التي تخرج من ” مسخ ” وجسد ” التلاحم الفئوي ” في العائلة والعشيرة والقبيلة والدين المُعلَّب، والمحجور عليه.. اكتشف، وكشف لنا ان العصبية في المؤروث العربي المُتؤارث والمُؤورث القاعدة الاولى في الحكم والدولة والمجتمع.. أعاد سورا اكتشاف مفاهيم أو طقوس قلب ” الثقافة ” العربية وتقيمها على قاعدة ومبادئ العلوم الاجتماعية وقوانينها ومكنونات تلك القوانين، والتي هي بمثابة ( الضرورة المعرفية ) الضرورة الإبستيمولوجية لتعريف ” دهاليز ” المجتمعات الشرق اوسطية الممنوعة ” تاريخياً ” عن التحليل والنقد الاجتماعي.. النقد الذي لا يعرفه أو يتعرف عليه كهنوت وبطاركة السياسة والاجتماع والدين..

نجح سورا في هذا التفكير المنهجي ان يستولد من رحم التاريخ وامام ناظريه الصرخات الاولى للأفكار الحقيقية والشرعية حول الدولة والمجتمع المدني في حاضرة العرب وبوابة الشرق الأوسط الشمالية – سوريا، الامر الذي جعله في أعتقاد البعض” يتميز ” عن الماركسية في دراسة المجتمعات، وبالأخص القبلية منها.. كان يعمل في هذه الجزئية على منهج المدرسة الخلدونية كما ذكرنا سابقاً، ويتابع مفهوم العصبية الأقلوية نظرياً، وتفشيها تاريخياً.. كما عمل على شروحات النظام الاجتماعي السوري وتحليله، حيث تقبض السلطة الغير قانونية والغير شرعية على مقاليد الدولة والمجتمع والشعب.. فدرس سيكولوجية دولة القمع الوحشية والمتوحشة والموحشة في سوريا الأسد الأب، وطريقة إستخدامها المدروس للارهاب المُنظم في السياسة الإعلامية، والإعلام السياسي بإمتياز.. الدولة أو السلطة في بُعدها التسلطي القمعي، وفِي عمقها البربري والهمجي.. ثم ذهب في بحوثه الدقيقة الى الشرائح والفئات والطبقات والمحسوبيات.. ” الاجتماعية “، التي تعتبر وتؤمن ان تلك السلطة المارقة عن عمد، الضمانة الوحيدة لاستمرار أعمالها المشبوهة، وتدفق الأرباح عليها.. على الرغم من الظلم والإجرام والقتل الذي تمارسه تلك السلطة – سلطة الأب والابن على شعب سوريا العريق، والمظلوم..

في العام ١٩٨٦ من القرن المنصرم وبالتحديد في الخامس من شهر آذار / مارس، أعلنت منظمة الجهاد الاسلامي أو حزب الله لاحقاً عن إعدام ” جاسوس “، حجة احزاب وانظمة منظومة الممانعة.. الحجة الجاهزة دائماً، ودائماً عند الطلب والحاجة.. والتي توجه دائماً من خلال اعلامهم الشعبوي الكثيف والموجه بصرعة الطلقات الى صدور خصومهم ومن يختلف معهم.. الخصوم أو الضحايا الذين دائماً ما يواجهون غدر ذلك النظام وأجنداته المشبوهة بصدور عارية.. الاجندات والتهم الجاهزة والمجهزة في اقبية تلك الأنظمة المجرمة ومشاريعها التفتيتية والالغائية.. تهم من وزن الخيانة والعمالة.. والتي دائماً ما يفبركوها ويصدّروها الى خصومهم بدماء باردة، ودون ان يرف لهم جفن.. البوم، وبعد مرور اكثر من ثلاثة عقود ما زال الجلادين واقفين على مسرح الدم، والضحايا كذلك.. وجهاً لوجه.

لم يعجب القتلة هذا الكتاب.. القتلة الحريصين على منع اَي بحث اجتماعي علمي، في حين يوكلون مهمة رسم صورة المجتمع الى عملائهم من اصحاب الدعاية الذين يمجدون الحزب الواحد ويؤلهون الزعيم الأوحد.. لماذا قُتِل ميشيل سورا من بين الرهائن الفرنسيين بكل سفالة وحقد ؟؟؟ الجواب موجود في نصوص سورا التي أرعبت سلطة الأسد.. النصوص المرجعية، والتي وثقت في كتاب رعب الدولة السورية المتوحشة، وبين دفتيه وعلى صفحاته.. انه الكتاب “الاغلى”، انه الكتاب الوثيقة التي لا بُدّ من قراءتها، والاحتفاظ بها من اجل توثيق تاريخهم الأسود، وافكارهم السوداء، وقلوبهم السوداء وقمصانهم السوداء.. كي لا تدفن الحقيقة في القبر مرتين!

ربما مذ كتب محمود درويش ما معناه: الطريق إلى البيت أجمل من الوصول إليه، صار كتاب وشعراء فلسطينيون وعربٌ كثيرون يركزون على الطريق إلى البيت وينسون البيت، ولكن درويش يستدرك جعل البيت مرتبة ثانيه بعد الطريق:
لو كُنْتُ غيري في الطريق، لَقُلتُ/ للجيتار: دَرِّبْني على وَتَرٍ إضافيِّ/ فإنَّ البيتَ أَبعدُ، والطريقَ إليه أَجملُ/ هكذا ستقول أُغنيتي الجديدةُ/ كلما طال الطريق تجدَّد المعنى، وصرتُ اثنين/ في هذا الطريق: أَنا… وغيري.
في قصيدته “مأساة النرجس ملهاة الفضة” يقول درويش المسكًون دائماً في حلم العودة إلى الأرض او الوطن او البيت او القبر:
…أَيها الشهداءُ قد كنتم على حَقَّ ’ لأَن البيت أَجملُ من طريقِ البيتِ , رغم خيانةِ الأَزهار ’ لكنَّ النوافذَ لا تُطلُّ على سماء القلب…
والمنفى هو المنفى هنا وهناك . لم نذهب إلى المنفى سُدىً أَبداً ’ ولم تذهبْ منافينا سُدىً
والأرضُ
تُوْرَثُ
كاللغة !

محمود القيسي

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *